محمد جواد مغنية
448
في ظلال نهج البلاغة
يستفرغ العجب ) . لقد تجاوز العجب عن حده حتى انقلب إلى ضده ، « يئست من الغني حتى كأني أغنى الناس . . وعجبت حتى كدت أن لا أعجبا » . ( وحاول القوم ) وهم أصحاب الجمل وصفين الذين طلبوا الخلافة ، وتسلحوا بقميص عثمان ليزهقوا الحق ، ويحيوا الباطل ( وحدجوا بيني وبينهم شربا وبيئا ) . أعلنوا عليّ الحرب لا لشيء إلا بقصد الضغط والشغب وإثارة الفتنة ، ليشك ويرتاب في إمرتي وخلافتي السذّج وأهل الجهالة ، وألبسوا هذا القصد الخبيث قميص عثمان ، فكان تماما كالسم يدس في العسل ، وكالماء يختلط بالأقذار والأوباء . ( فإن ترتفع عنا إلخ ) . . نحن الآن في صراع مع البغي وأهله ، وسنواصل الجهاد بلا هوادة ، فإن تكن لنا الغلبة على الباغين فما لهم عندنا إلا الحق ، والعمل بكتاب اللَّه وسنة نبيّه ، وإلا فحسابهم على اللَّه ، وقد خاب من افترى ، ولا جدوى من الحسرات والآهات . سلمان الفارسي والنقابات : وبعد ، فلا يختلف اثنان من المسلمين في عظمته الإمام علما وإخلاصا وجهادا ، ومن عاب سياسته قال : انه يتشدد في الحق ، ولا يهادن الباطل . . وهذا ما لا يتحمله التجار والأغنياء ، وأهل الأنساب والوجاهة ، لأنه يضر بمصالحهم ، والدليل على ذلك - كما قال الناقد لسياسة الإمام - ان سلمان الفارسي كان عاملا لعمر على المدائن ، فكوّن نقابات للعمال وأرباب الصناعة ترعى مصالحهم ، فغضب التجار والأغنياء ، وشكوه إلى عمر : وعلى الفور عزله ، ولم يوله منصبا رسميا بعد ذلك . وعلَّق أحمد عباس صالح على هذه الواقعة في كتاب اليمين واليسار في الاسلام ، علق بقوله : « من المؤكد ان هذا العزل أثار جدلَّا عنيفا بين المسلمين . . ومن الغريب اننا سنجد ولاية سلمان وعزله قليلة الورود في كتب المؤخرين ، ولن نجدها إلا في متفرقات قليلة ، وكأن هذا التجاهل قد حدث عن عمد وتدبير » . ( 1 )
--> ( 1 ) من مصادر الأستاذ أحمد صالح كتاب سلمان الفارسي ل « ماسينيون » ترجمة عبد الرحمن بدوي .